ماذا نعني بالتوحد (Autism)؟

مصطلح (Autism) هو مصطلح يوناني الأصل يعني “الذات”، وبالعربية “التوحد” لغةً يعني العزلة أو الانعزال. كان أول ذكر للمصطلح تاريخياً عام 1911 بواسطة السويسري يوجين بلولير، حيث استخدمها للإشارة الى مرحلة أولية في داء انفصام الشخصية.

التوحد هو اضطراب عصبي بيولوجي سلوكي يسبب عجز في النمو، بمعنى أنه يؤثر على عملية النمو الطبيعية للدماغ خصوصاً في المناطق المسؤولة عن مهارات الاتصال والتواصل الاجتماعي، ووظائف الإدراك. لذلك تجد أن معظم الأشخاص المصابون بالتوحد يعانون من صعوبات في التواصل اللفظي وغير اللفظي مع الآخرين، وتبدأ أعراضه بالظهور عادة قبل سن الثالثة، رغم انها قد لا تكون ظاهرة بشكل ملحوظ أحياناً. ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن مصطلح التوحد يعتبر مصطلح عام يستخدم لوصف مجموعة من اضطرابات نمو الدماغ المعقدة والتي تعرف باسم “اضطرابات النمو المتفشي”، منها: متلازمة أسبرجر، ومتلازمة ريت، واضطرابات الطفولة التحللية. ويطلق العديد من الأخصائيين والباحثين على هذه المجموعة من الاضطرابات اسم “اضطرابات طيف التوحد” أو ASD. ويشير مصطلح “طيف” إلى حقيقة أنه لا يوجد تشابه بين حالات التوحد من شخص لآخر، وأن بعض الأشخاص قد تكون لديهم أعراض خفيفة بينما قد تظهر أعراض شديدة ومتقدمة لدى أشخاص آخرين.

قد يختلط البعض بالمعنى الحقيقي للتوحد فيرون فيه مرادفاً للإنطوائية، وهذا مفهمو خاطئ تماماً. وبعد قيام بلولير بتعريف العالم بمصطلح التوحد، ظل استخدامه محصوراً بداء الفصام، حتى عام 1960 حيث فرّق العلماء بين هذين الاضطرابين بشكل كلي. بالرغم من أن الأخصائي النفسي الأمريكي ليو كانر قام بتشخيص مجموعة من الأطفال بالتوحد عام 1943، بعد أن لاحظ ظهور أعراض نفسية واجتماعية معينة لديهم تختلف عن أعراض انفصام الشخصية.

ومنذ تعريف التوحد كمرض نفسي مختلف عن غيره من الأمراض النفسية، لجأ الأطباء والعلماء إلى الأدوية والصعق الكهربائي كوسيلة للعلاج، حيث كان العلاج النفسي في ذلك الوقت يعتمد على المعاقبة والألم. ولم يلجأ العلم إلى استخدام العلاج السلوكي إلا في الفترة بين 1980- 1990 عندما أثبتت الدراسات والأبحاث أن التوحد لا يعتبر مرض نفسي وإنما اضطراب عصبي أو سلوكي.

ولا بد من الإشارة هنا إلى انه لم يتم اكتشاف سبب واضح للتوحد بعد، ولكن تظهر الدراسات أن اضطرابات طيف التوحد تكون ظاهرة أكثر في الذكور مقارنة بالإناث، مما يدل على وجود عامل جيني في الأسباب. وقد لوحظ ازدياد في تشخيص حالات التوحد، ولكن اختلفت الآراء حول هذا الازدياد، فالبعض أعزاه الى تطور معايير التشخيص أو منهجية الدراسة، والبعض افترض أنها زيادة حقيقية في حدوث هذا الاضطراب.

لا يؤثر التوحد بحد ذاته على متوقع عمر الشخص، ولكن أظهرت الأبحاث أن معدل الوفيات للأشخاص المصابين بالتوحد أكبر بمرتين منه لدى التعدد السكاني العام، والسبب الرئيسي لذلك هو حوادث الغرق والسير وغيرها من الحوادث التي تسبب الوفاة.

بالرغم من عدم وجود علاج فعال ونهائي للتوحد، إلا أن التدخل المبكر وعمليات التأهيل تساعد بشكل كبير على تخفيف الأعراض المتنوعة لهذا الاضطراب السلوكي وفي بعض الاحالات قد تختفي هذه الأعراض بشكل كامل.